أبي حيان الأندلسي

26

البحر المحيط في التفسير

ذلك مناف أي لأن العصيان مناف وهو كلام صحيح . وقوله : فكان المأمور به غير مدلول عليه ولا منوي هذا لا يسلم بل هو مدلول عليه ومنوي لا دلالة الموافق بل دلالة المناقض كما بينا . وأما قوله : لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأمورا به هذا أيضا لا يسلم . وقوله في جواب السؤال لأن قوله فَفَسَقُوا يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدّعي إضمار خلافه . قلنا : نعم يدعي إضمار خلافه ودل على ذلك نقيضه . وقوله : ونظير أمر شاء في أن مفعوله استفاض فيه الحذف . قلت : ليس نظيره لأن مفعول أمر لم يستفض فيه الحذف لدلالة ما بعده عليه ، بل لا يكاد يستعمل مثل شاء محذوفا مفعوله لدلالة ما بعده عليه ، وأكثر استعماله مثبت المفعول لانتفاء الدلالة على حذفه . قال تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ « 1 » أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ « 2 » أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا « 3 » قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ « 4 » أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا « 5 » أي به ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة . وقال الشاعر : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به وقال أبو عبد اللّه الرازي : ولقائل أن يقول كما أن قوله أمرته فعصاني يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به ، فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به ، أن كونه معصية ينافي كونها مأمورا بها ، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق . هذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصرّ صاحب الكشاف على قوله مع ظهور فساده فثبت أن الحق ما ذكروه ، وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك عنادا وأقدموا على الفسق انتهى . القول الثاني : أن معنى أَمَرْنا كثرنا أي كثرنا مُتْرَفِيها يقال : أمر اللّه القوم أي كثرهم حكاه أبو حاتم عن أبي زيد . وقال الواحدي : العرب تقول : أمر القوم إذا كثروا وأمرهم اللّه إذا كثرهم انتهى . وقال أبو علي الفارسي : الجيد في أمرنا أن يكون بمعنى كثرنا ، واستدل أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بما جاء في الحديث : « خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة » أي كثيرة النسل ، يقال : أمر اللّه المهرة أي كثر ولدها ، ومن أنكر أمر اللّه القوم بمعنى كثرهم لم يلتفت إليه لثبوت ذلك لغة ويكون من باب ما لزم وعدّي بالحركة

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 28 . ( 2 ) سورة يوسف : 12 / 40 . ( 3 ) سورة الطور : 52 / 32 . ( 4 ) سورة الأعراف : 7 / 29 . ( 5 ) سورة الفرقان : 25 / 60 .